بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي لمكافحة التصحر والجفاف الموافق لـ17 جوان من كل سنة، نشر مهندس الرصد الجوي محرز الغنوشي تدوينة مطولة سلط فيها الضوء على التحديات المناخية المتزايدة التي تواجه العالم، وخاصة منطقة البحر الأبيض المتوسط، محذرًا من تداعيات التغيرات المناخية التي باتت أكثر وضوحًا خلال السنوات الأخيرة.
وأكد الغنوشي أن العالم يعيش اليوم على وقع تصاعد ملحوظ في الظواهر الجوية والمناخية المتطرفة، حيث أصبحت موجات الحر الشديدة والجفاف طويل الأمد والفيضانات والعواصف القوية أحداثًا متكررة بوتيرة غير مسبوقة مقارنة بالعقود الماضية.
وأشار إلى أن أجزاء واسعة من أوروبا الغربية عاشت بين 16 ماي و2 جوان 2026 موجة حر قوية وغير معتادة أثرت على ملايين السكان في عدة دول من بينها فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وإيطاليا. وقد سجلت درجات الحرارة مستويات مرتفعة بشكل لافت، ما تسبب في ضغوط كبيرة على الموارد المائية والأنظمة البيئية والزراعية، إضافة إلى التأثير المباشر على صحة السكان.
وأوضح أن بيانات برنامج "كوبرنيكوس" الأوروبي أظهرت أن هذه الموجة لم تكن مجرد ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة، بل مثّلت حالة حقيقية من الإجهاد الحراري الشديد الذي انعكس على مختلف القطاعات الحيوية، وهو ما يعكس حجم التحولات المناخية التي يشهدها العالم في السنوات الأخيرة.
ورغم أن تونس لم تكن ضمن المناطق الأكثر تضررًا من هذه الموجة الأوروبية، فإن الغنوشي شدد على أن البلاد تبقى معنية بشكل مباشر بالتغيرات المناخية التي يشهدها حوض البحر الأبيض المتوسط، والذي يصنفه الخبراء ضمن أكثر المناطق هشاشة وتأثرًا بظاهرة الاحتباس الحراري على مستوى العالم.
وأضاف أن تونس تواجه اليوم تحديات متزايدة تتمثل في ارتفاع درجات الحرارة وتواتر موجات الحر وتراجع الموارد المائية وتفاقم مخاطر الجفاف والتصحر، خاصة بالمناطق الداخلية والجنوبية التي تعاني أصلًا من محدودية الموارد الطبيعية.
وتشير الدراسات والنماذج المناخية الحديثة إلى أن العقود القادمة قد تشهد مزيدًا من الضغوط على المنظومات البيئية والزراعية إذا لم يتم تعزيز سياسات التكيف مع التغيرات المناخية واعتماد استراتيجيات أكثر نجاعة في إدارة الموارد الطبيعية.
وأكد الغنوشي أن هذه التحديات لا تقتصر على الجانب البيئي فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي والاقتصاد والتنمية الاجتماعية، حيث يؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة معدلات التبخر وفقدان الرطوبة من التربة، ما يرفع من استهلاك المياه ويزيد من هشاشة الأنشطة الفلاحية.
وفي المقابل، أشار إلى أن الموسم المطري الأخير شهد تحسنًا نسبيًا في مخزون المياه وإيرادات عدد من السدود، وهو ما يمنح مؤشرات إيجابية يمكن البناء عليها لتعزيز القدرة على مواجهة فترات الجفاف مستقبلاً.
وختم محرز الغنوشي بالتأكيد على أن التصحر والجفاف لم يعودا مجرد ظاهرتين طبيعيتين، بل أصبحا تحديين استراتيجيين يتطلبان رؤية شاملة تقوم على حسن إدارة الموارد المائية، وحماية الغابات والغطاء النباتي، وترشيد الاستهلاك، ودعم البحث العلمي، وتعزيز الوعي البيئي لدى مختلف فئات المجتمع.
وشدد على أن القدرة على التكيف والاستعداد المسبق تبقى اليوم السلاح الأهم لمواجهة المخاطر المناخية المتزايدة، وضمان حماية الإنسان والموارد الطبيعية وتحقيق تنمية مستدامة للأجيال القادمة في عالم يشهد تغيرات مناخية متسارعة وغير مسبوقة.