لن أسكت عن المنكر… لأن الصمت ليس دائمًا حكمة
بقلم الدكتور الشيخ بدري المداني
قال الله تعالى:
«﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ۚ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَىٰ بِهِمَا ۖ فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا ۚ وَإِن تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾
[النساء: 135]»
هذه الآية هي منطلق موقفي، وهي جوهر قراري في الكتابة عن المنكرات التي أراها أو أقف على وقائعها، مهما كان مرتكبوها، ومهما كانت صلتهم بي، ومهما كان موقعهم الاجتماعي أو الديني.
لقد اخترت أن أكتب.
ولست أكتب بحثًا عن خصومة، ولا رغبة في التشهير بأحد، ولا دفاعًا عن نفسي، ولا انتصارًا لذاتي. وإنما أكتب لأن هناك أشياء إذا سكت عنها من يعرف حقيقتها، تحولت من أخطاء إلى ممارسات، ومن ممارسات إلى عادات، ومن عادات إلى أمر واقع يُراد له بعد ذلك أن يُقدَّم للناس في صورة الدين أو الطريقة أو التراث.
وهنا لا بد أن أقولها بوضوح:
هل يُطلب من الواعظ أن يعظ الناس عن الحرام، ثم يسكت حين يقع الحرام أمامه؟
وهل يُطلب من الإمام أن يذكّر الناس بالحق، ثم يجامل حين يكون الباطل صادرًا عن قريب أو صاحب أو صاحب مكانة؟
وهل تصبح القرابة أو الانتساب أو ارتداء جلباب الوعظ حصانةً من النقد والمساءلة؟
لا.
القرآن لم يستثنِ الأقربين.
بل قال: ﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
فالحق لا يتغير بتغير أسماء الناس، ولا بمقدار قربهم منا، ولا بالصفة التي يلبسونها أمام الناس.
وقد يعاتبني بعضهم: لماذا تكتب؟
ويقول آخر: دع الناس وشأنهم.
ويستهزئ ثالث: لماذا تفتح هذه الملفات؟
ويشتمني رابع لأنني تجرأت على الحديث عن محرمات ارتُكبت، وممارسات حدثت، لا تكاد تصدر من عامة الناس، فما بالك بمن يتصدرون للوعظ والتذكير، أو ينتسبون إلى مدرسة دينية وتربوية لها تاريخ ورصيد؟
وأقول لكل هؤلاء:
أنا لا أكتب لأنني أكره أحدًا، وإنما أكتب لأنني أخاف على شيء أكبر من الأشخاص.
أنا لا أدافع عن نفسي.
أنا أدافع عن مدرسة، وعن رصيد علمي وتربوي وروحي، وعن أمانة تاريخية، وعن صورة دين لا يجوز أن تُشوَّه باسم الدين.
فالذين يظنون أنني إذا تكلمت إنما أتكلم دفاعًا عن شخصي لم يفهموا موقفي.
قد أتحمل ما يقال في شخصي، وقد أصبر على الشتيمة، وقد أتجاوز السخرية، وقد أحتمل المعاتبة.
لكنني لا أستطيع أن أعتبر السكوت عن المنكر فضيلة، حين يكون السكوت نفسه سببًا في ترسيخه، أو حين يستغل الصمت لإعادة كتابة الوقائع، أو لتبرير ما لا تبرير له، أو لتقديم الخطأ على أنه صواب.
المشكلة ليست في أنني أكتب؛ المشكلة في أن بعضهم يريدني أن أسكت.
والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس:
لماذا تحدث بدري عن هذه الأمور؟
بل:
هل ما تحدث عنه صحيح أم غير صحيح؟
إن كان غير صحيح فليُردّ عليه بالدليل.
وإن كان صحيحًا، فلماذا الغضب من كشفه بدل الغضب من وقوعه؟
هذه هي القضية.
أنا مستعد أن أراجع نفسي إذا أخطأت، وأن أصحح إذا تبين لي خطأ، وأن أقبل النقد العلمي الرصين من أي إنسان.
لكنني لن أعتبر الشتيمة دليلًا، والسخرية حجة، والقرابة برهانًا، والصفة الدينية عصمةً، والمعاتبة جوابًا عن الحقائق.
والأهم من ذلك كله:
إن الكلام عن المنكر لا يعني أن المتكلم يزعم العصمة لنفسه.
أنا بشر أخطئ وأصيب، ولي عيوبي ونقائصي، وأحاسب نفسي قبل أن يحاسبني غيري.
لكن وجود نقص في شخصي لا يُسقط واجب إنكار المنكر، كما أن تقصير الواعظ في بعض الأمور لا يجعل الحرام حلالًا، ولا الباطل حقًا.
إنني أكتب اليوم لأنني أعتقد أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مدرسة دينية أو روحية ليس أن ينتقدها أبناؤها، بل أن يصمت أبناؤها عن أخطائها حتى يأتي من يهدم صورتها من الداخل، ثم لا يجد أحد من يقول: هذا ليس من المدرسة، وهذا ليس من أخلاقها، وهذا ليس من أصولها.
لذلك سأستمر في الكتابة.
سأكتب عن الخطأ خطأً، وعن المنكر منكرًا، وعن التجاوز تجاوزًا، وعن الحق حقًا، وعن الفضل فضلًا.
لن أخلط بين الأشخاص والمبادئ، ولن أحوّل الخلاف إلى خصومة شخصية، ولن أتهم بغير بينة، ولن أظلم أحدًا.
ولكنني أيضًا لن أجامل على حساب الحق.
فالمداهنة قد ترضي بعض الناس ساعة، لكنها قد تترك وراءها خرابًا سنوات.
وما أكتبه ليس إعلان حرب على أحد، بل إعلان التزام بمبدأ:
﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾.
ومن أراد أن يعترض على ما أكتب، فليأتِ بالدليل.
ومن أراد أن يصحح لي، فأهلًا بالتصحيح.
ومن أراد أن يناقش، فباب الحوار مفتوح.
أما الشتيمة والسخرية والمعاتبة لمجرد أنني تكلمت، فلن تغير موقفي.
لن أدافع عن نفسي… لأنني لا أكتب من أجل نفسي.
أكتب دفاعًا عن الحق، وعن حرمة الدين، وعن أمانة الكلمة، وعن مدرسةٍ ورصيدٍ وتاريخٍ يترصد به البعض لردمه، وأرى أن من واجبي أن أقول كلمتي قبل أن يصبح الصمت شهادةً على ما لا أرضاه.
قد يختلف الناس معي في أسلوبي، وقد يختلفون معي في بعض اجتهاداتي، وهذا حقهم.
لكنني لن أختلف مع ضميري في واجب الصدق.
فالقرآن لم يقل: كونوا قائمين بالقسط إذا كان الأمر يتعلق بالغرباء.
بل قال:
﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾.
وهذا يكفيني جوابًا لكل من يسألني:
لماذا لا تسكت؟
لأن بعض الصمت حكمة، نعم.
لكن هناك صمتٌ آخر… يصبح تواطؤًا مع الخطأ، وتفريطًا في الأمانة، وخيانةً للكلمة.
وأنا اخترت أن أتحمل تبعات الكلمة الصادقة، ولا أتحمل وزر الصمت عن الحق.
والله من وراء القصد.